مع نفحاتِ المولد النبوي، ونسماتِ ربيع الأنور، يأتي الجزء التاسع عشر من «نبض الحياة»، حاملاً إلى القلوب شيئًا من عبق السيرة الطاهرة، وضياء المحبة، ودفء الذكرى؛ حيث تتجدد في الأرواح معاني الرحمة والهداية والجمال، ويعود القلب إلى ذلك النبع النبوي الذي ما زالت أنواره تمتد في مسالك الحياة، فتمنحها معنى، وللأرواح سكينة، وللإنسان أفقًا أرحب في النظر إلى نفسه وربه والعالم من حوله.
في ربيع الأنوار، لا نستعيد ذكرى مولد المصطفى ﷺ بوصفها صفحة من صفحات التاريخ فحسب، وإنما نستحضر ميلاد رسالة غيّرت وجه الإنسان، وأخرجته من ظلمات التيه إلى نور الهداية، ومن ضيق الأهواء إلى سعة العبودية، ومن التفرق إلى الأخوة، ومن قسوة الجاهلية إلى رحمة النبوة.
إن «نبض الحياة» ليس حديثًا عن الحياة من خارجها، بل هو محاولة للإنصات إلى نبضها من الداخل؛ إلى ما تخبئه الأيام من دروس، وما تتركه التجارب من بصائر، وما تصنعه المواقف في أعماق الإنسان. وكلما اقتربنا من هدي النبي ﷺ، ازددنا قدرة على قراءة الحياة قراءةً أعمق؛ فنرى في الرحمة قوة، وفي الصبر طريقًا، وفي العطاء حياة، وفي الابتلاء تربية، وفي المحبة رسالة.
1-في ربيع الأنور، تتجدد الدعوة إلى أن يكون الاحتفاء بالمصطفى ﷺ احتفاءً بأخلاقه في حياتنا، وبرحمته في علاقاتنا، وبصدقه في كلماتنا، وبأمانته في أعمالنا، وبسنته في تفاصيل أيامنا.
2-الفرح بمولد سيدنا رسول الله ﷺ ليس فرحًا بذكرى زمنية مضت، بل هو فرحٌ بنعمة الهداية الربانية والرحمة الإلهية التي أشرق بها الكون بمولدهﷺ الأنور؛ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس: 58].
3-لقد كان جماله ﷺ كمالًا جامعًا صانته العناية الإلهية عن كل نقص، فاجتمع فيه من البهاء والنور والكمال ما تعجز العبارة عن الإحاطة به.
4-كلما عظم المحبوب في القلب، صغر ما يقدمه المحب وكبر رجاؤه في الرحمة
5-إذا عجزت عن بلوغ مقام المحبين، فلا تعجز عن كثرة الصلاة على سيد المحبين صلى الله عليه وسلم.
6-من أشرق حب النبي ﷺ في قلبه، أشرقت في روحه معاني الهداية والرحمة.
7-المحبة الصادقة ليست دعوى باللسان، وإنما نورٌ يظهر أثره في القلب والسلوك.
8-كلما عجز اللسان عن الإحاطة بفضائل المحبوب، كان الاعتراف بالعجز أصدق من ادعاء الوصف.
9-مدح النبي ﷺ ليس تعدادًا للفضائل فحسب، بل تربية للقلب على معاني الرحمة والكرم والهداية.
10-من عرف قدر النبي ﷺ، عرف أن أعظم ما يملكه هو صدق الاقتداء به.
11-ليس الشوق إلى الحبيب كلامًا يقال، بل حالٌ يستولي على القلب حتى يصبح اللقاء غاية الأمل.
12-من أعظم ثمار المحبة أن يتحول ذكر المحبوب إلى حياة في القلب بعد أن كان مجرد ذكر على اللسان.
13-القلب الذي امتلأ تعظيمًا للنبي ﷺ يضيق عن الغلظة ويتسع للرحمة.
14-المديح الصادق يبدأ من معرفة فضل الممدوح وينتهي بمعرفة فقر المادح.
15-كلما ازداد العبد معرفة بكمال النبي ﷺ، ازداد تواضعًا في دعوى محبته.
16-الرجاء لا يلغي التقصير، لكنه يمنع التقصير من أن يتحول إلى يأس.
17-إذا كان المولد النبوي الشريف فرحا بمجيء الرحمة الإلهية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فأجمل الفرح أن تصبح أنت رحمة لمن حولك.
18-القصور في مقام الثناء على الكبار شرف، إذ إن الاعتراف بالعجز عن حصر الفضائل هو ذروة الفصاحة والأدب.
19-ليس الأمان في النجاة من شدائد الدنيا فحسب، بل الأمان أن يلقى العبد ربه وصحيفته مثقلة بالرجاء والصلاة على نبي الرحمة والهدى.
20-جمع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين كمال الخلقة وجمال الخُلق؛ فكان مربوع القامة، أزهر اللون، أبيض مشربا بحمرة، عريض المنكبين، واسع الجبين، حسن المبسم، ومن أجمل الناس وجها وأبهاهم طلعة.
21-كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن؛ فاجتمعت فيه أسمى معاني الكمال الإنساني؛ فكان حييا كريما، شجاعا رحيما، رفيقا بالخلق، جامعا بين قوة الحق ولين الرحمة، حتى أصبح جمال ظاهره شاهدا على كمال باطنه، وتجلت في سيرته الخالدة صورة الإنسان الذي اكتمل فيه الخلقة والخلق.
22-إن لم تسعك بيوت قريش فالأحشاء لك فـــداء.
23-كان جماله صلى الله عليه وسلم إذا وقع على العين أدهشها، وإذا بلغ القلب أحياه؛ فاجتمع في طلعته بهاء الصورة ونور السريرة.
24-إن الحديث عن حبيبنا المصطفى ﷺ حديث عن الرحمة إذا تجلّت، والنور إذا أشرق، والفضل إذا عمَّ، والجمال إذا اكتمل، والجلال إذا تجلّى، والكمال إذا تمَّ، والمقام إذا علا؛ حديثًا تقصر دونه العبارة، ويعجز عن استيفاء جلاله الوصف، فما بلغ الواصفون كماله، ولا أحاطت العبارات بجلال قدره، وإنما حسب المحب أن يقف على أعتاب سيرته بقلبٍ خاشع، ولسانٍ ذاكر، ونفسٍ تاقت إلى القرب من هديه، والتخلّق بأخلاقه، والاقتداء بسنته.
25-بَهِيُّ طَلْعَةِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى
أكرِمْ به! أكرِمْ بهيبةِ قامتِهْ!
برّاقُ وجهٍ قد تدوَّر نورُهْ،
يا سيدي، يا هاديَ الخلقِ كلِّهْ.
وله جبينٌ مشرقٌ واسعٌ،
يهدي الحيارى نحو بابِ بُغيتِهْ.
26- إن الحديث عن حبيبنا المصطفى ﷺ حديثٌ عن الجمال والجلال؛ عن جمالٍ تتآلف فيه محاسن الصورة مع محاسن السيرة، وتشرق فيه شمائل النبوة على القلوب قبل الأبصار، وعن جلالٍ يتجلى في عظمة الاصطفاء، ورفعة المقام، وشرف الرسالة، وعظيم الأثر الذي تركه مولده ﷺ الشريف وشروق نوره الخالد في الإنسان والتاريخ والحضارة.
27-إت حبيبنا المصطفى ﷺ قد أوتي كمال الحسن وتمام البهاء والجمال كله، وإنما هو جمال أوسع: جمال الروح، وجمال الخُلُق، وجمال الرحمة، وجمال الشمائل، وجمال القيم، وجمال الرسالة حين تشرق بها الحياة، وجمال المحبة حين تستقر في قلب المؤمن فتزكيه وترفعه.
28-لقد ثبت شرف نبوّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن تشرق شمسُه في الآفاق: ثبتت بمحكَم البشائر في الكتب السماوية السابقة من المنعم الرزاق قبل ظهوره في عالم الشهادة، وبما أظهره الله جلّ وعلا من المعجزات والكرامات والخرقِ الجليّ للعادات قبل ولادته وبعثته، ليكون برهانًا ساطعًا وشاهدًا قائمًا يُرى بالعيان
29- هذا الحبيب المصطفى ﷺ الذي اصطفاه الله تعالى حبيبًا منذ القِدَم، وجعله سيدَ الوجود، وأسبغ عليه من واسع نعمه، وخصَّه بجليل المكارم، وآتاه جوامع الكلم، ورفع أمته المحمدية وشرّفها بين سائر الأمم.
30-لقد جرى تقدير الله تعالى أن ينتقل نورُه ﷺ من أصلابٍ طاهرة إلى أرحامٍ زكية، في سلسلة مباركة من الآباء والأمهات، حتى أذن الله تعالى لنوره أن يخرج إلى عالم الوجود، فكان مولده ﷺ إيذانًا بطلوع فجر الرسالة، وانبثاق نور الهداية، وبدء مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية.
31-إن النبي ﷺ لم يكن مجرد شخصية تاريخية مضت وانتهت، بل كان رسول هداية ومربي أمة ورحمة للعالمين، وصانع عمران إسلامي إنساني أخوي تسوده الأخوة والرحمة والعدل وسائر القيم الدينية والاجتماعية والحضارية؛ ولذلك جاءت سيرته ﷺ تنزيلا عمليا وتطبيقا حيا للقرآن الكريم
32- تمثل السيرة النبوية أنموذجا حضاريا واجتماعيا متكاملا في بناء المجتمع والدولة وإدارة العلاقات الإنسانية. فقد انطلقت من إصلاح الإنسان باعتباره اللبنة الأساس في كل نهضة؛ فركزت على تزكية النفس، وتقويم السلوك، وغرس قيم الأمانة والإحسان. وبذلك نجح النبي ﷺ في صناعة جيل قرآني خالد استطاع أن يجمع بين العلم والعمل، والإيمان والعمران، والقيم والسياسة.
33-إن السيرة النبوية ليست مجرد معجزات خارقة للمألوف البشري، بل هي في جوهرها "منهاج عملي معصوم" جرت فيه المشاهد والوقائع وفق السنن الإلهية والأخلاق القرآنية.
34-إن الهدى النبوي يقدم أنموذجًا خالدا في تنظيم الاجتماع البشري وترسيخ ركائز الأمن المجتمعي، ذلك بأن السيرة النبوية حافلة بمقومات أمنية متعددة الأبعاد -اجتماعية، وأخلاقية قيمية، واقتصادية، وقانونية- تكاملت في المجتمع النبوي الأول وحققت أمنه وتماسكه واستقراره،
35-تُمثّل السيرة النبوية العطرة معينًا حضاريًا عمرانيا وروحيًا لا ينضب، وعطاءً ربانيًا متجددًا تتوارثه الأجيال عبر الأزمنة والعصور، بما تحمله من هدايةٍ ورشدٍ وإصلاحٍ للإنسان في المعاش والمعاد.
36- إن محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست مجرد اتباع له، بل إن المحبة العاطفية له، والتعلق القلبي بجنابه الشريف، والتوجه الروحي نحو حضرته العلية؛ هي أصل الاتباع وباعثه؛ فلولاها ما وُجد في القلب وازع يحمل المرء على الاتباع العملي والاقتداء الفعلي.
37-إنَّ إحياءَ الأمة، ومعاودةَ إخراجها إلى دائرة الفاعلية والتأثير والشهود الحضاري، يظلُّ مرهونًا إلى حدٍّ بعيدٍ بالتحقق بأدوات الإحياء التي انتهجتها النبوة لتحقيق الولادة الجديدة للأمة المسلمة، واستقراء ظروف إحيائها الأول، وفهمِ الشروط التي صنعت نهضتها في عهد الرسالة، واستلهامِ الهدى المنهاجي النبوي الذي قامت عليه.
38- إن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم هو روح الأرواح، والنور الأول الذي اقتبست منه سائر الأنوار، وهو السراج الأول الذي اتقدت منه جميع السرج، وهو أصل كل الأنوار، أب الأرواح الطاهرة كلها، من الأنبياء والصالحين، وكانوا نوابَه إلى أن أشرقت شمسُه الباهرة فاندرج كلُّ نور في نوره الساطع، وغاب كل حكم في حكمه، وانقادت جميعُ الشرائع إليه، وظهرت سيادتُه التي كانت باطنة.. ﴿لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ﴾ [التوبة: 33]...
39-إن الله تعالى جمع لنبيه ومصطفاه سيدنا محمد ﷺ من وجوه الفضل وخصال الكمال ما تفرّق في غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فما من فضيلة شريفة أو خصلة حميدة أكرم الله بها نبيًّا من أنبيائه إلا كان لنبينا ﷺ منها أكمل الحظ وأوفر النصيب.
40-إنَّ نورَ النبوّة ما استمدَّ بقاءه واستمراره يومًا من رضا الناس ولا من إقرارهم، بل غرس اللهُ تعالى بعنايته وإرادته في أعماق الفطرة الإنسانية منذ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أصولَ التوحيد والإيمان، والاستعداد للحق، وقبول هداية الأنبياء، ومحبة القيم الخُلُقية والجمالية السامية؛ فكانت النبوّات تجديدًا لذلك العهد، وإيقاظًا لما أودعه الله تعالى في فطر عباده.
وأما المستهزئون والمشككون والمغرضون، فمآلهم إلى الغياب والنسيان؛ تطويهم صفحات التاريخ كأنهم لم يكونوا قط، ويبقى مقامُ النبوّة شامخًا، ومنارُها مضيئًا، عصيًّا على الإطفاء.. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8].
ذلك بأنَّ الأنبياء -عليهم السلام- لا يعلو ذكرُهم بصخب خصومهم، ولا يسقط مقامُهم بضجيج المسيئين وصياحهم؛ وإنما يزداد النور ظهورًا كلما اشتدَّ الظلام، والحقُّ رسوخًا وانتشارًا كلما حاول الباطلُ أن يزلزله أو يقف في وجهه.
ويظلُّ اسمُ صاحب الرسالة العصماء، سيدِنا وحبيبِنا ومولانا محمدٍ ﷺ، منارةً في ذاكرة الإنسانية، ونبضًا حيًّا في قلوب المحبين، ونورًا ساريًا في العالمين، ورمزًا خالدًا للحق الذي لا يُقهر، والرحمة التي لا تنطفئ، والجمال الذي لا يفنى.
فصلّى الله وسلّم وبارك على النبيِّ الأميِّ، معلِّمِ البشرية، وسيِّدِ العلماء والربانيين والمصلحين، سيِّدِنا محمدٍ وعلى آله وصحبه، ما طلع فجرٌ، وأشرقت شمسٌ، وتعاقب ليلٌ ونهار.
اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على سيدنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه، صلاةً تليق بجلال فضلك، وبعظيم مقام نبيك وحبيبك، عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعدد ما تعاقب الليل والنهار، وما جرى القلم في صحف الأقدار.
بقلم: أ.د. رشيد كهوس
ينظر قناة نداء الحب على تلجرام: